كيف يمكن لشخص أن ينتقل من عالم الهندسة الدقيقة إلى فضاء الإبداع الأدبي والصحافة؟ هذه هي رحلة عبد الرحمن الشيخ مكتبي، الذي جمع بين الكتابة والشعر والترجمة والعمل الصحفي، رغم أن خلفيته الأكاديمية كانت في هندسة الميكاترونيك، والهندسة الطبية، بالإضافة إلى الإعلام الرقمي. شغفه بالكلمة قاده إلى مسار مختلف، حيث كرس حياته لنقل الواقع عبر نصوص نابضة بالحياة، تعكس قضايا مجتمعية وإنسانية عميقة.
من نقطة التحول إلى المسار الإبداعي
في أثناء دراسته للماجستير، وجد عبد الرحمن نفسه أكثر انجذابًا لعالم الصحافة والكتابة. الظروف الصعبة التي مر بها آنذاك دفعته للتفرغ أكثر للأدب والترجمة، ليبدأ مسيرته في نقل الأعمال العالمية إلى العربية. ترجم العديد من الكتب المهمة، منها مجموعة “صوت” القصصية، “أزرق وأسود”، “عربة تجرها الثيران”، “العشق الممنوع”، “انتباه”، ويعمل حاليًا على ترجمة رواية جديدة.
كانت جائحة كورونا نقطة تحول إضافية، حيث وجد في العزلة فرصة للغوص أكثر في الكتابة، ما دفعه للمشاركة في مسابقة “أفق” للترجمة، حيث حصل على المركز الثالث، ثم كتب روايته الخاصة “في المحطة التالية”.
تحديات الغربة وريادة المبادرات الأدبية
عاش عبد الرحمن تجربة الغربة، حيث واجه تحديات كبرى مثل الشعور بالوحدة وبناء مسيرته المهنية من الصفر. ورغم وجود مجتمعات عربية في تركيا، كان من الصعب العثور على بيئة أدبية حاضنة. لكنه قرر أن يكون هو من يبنيها، فأطلق منصة “فيء من شعر”، التي بدأت كمشروع فردي ثم تحولت إلى فريق متكامل يسهم في نشر الشعر والأدب العربي.
لم يكن التحدي معنويًا فقط، بل كان ماديًا أيضًا، إذ اعتمد على موارده الشخصية في البداية لشراء المعدات وإنشاء المحتوى. كما سعى إلى بناء شبكة علاقات مهنية عبر زيارة دور النشر والتفاعل مع الأدباء والمترجمين، ما ساعده في ترسيخ مكانته في المشهد الأدبي.
الشعر: رسالة لا تموت
يرى عبد الرحمن أن الشعر ليس مجرد كلمات منمقة، بل هو تجسيد للواقع ونقل للمشاعر بصدق ودون تكلف. سواء كان يكتب عن الثورة السورية، أو الحرب في غزة، أو قضايا اجتماعية وإنسانية أخرى، فهو يسعى لأن تكون كلماته شاهدًا على الأحداث، ورسالة تبقى في ذاكرة الزمن.
يؤمن بأن لكل شخص دورًا مجتمعيًا، سواء كان كاتبًا، فنانًا، أو حتى مهندسًا، فالتأثير الحقيقي يأتي من العمل المستمر والسعي لإحداث تغيير إيجابي.
الاستمرارية: مفتاح النجاح
ما الذي يجعل شخصًا ينجح في أكثر من مجال؟ بالنسبة لعبد الرحمن، السر يكمن في الاستمرارية. سواء في الكتابة، الترجمة، أو حتى إدارة المنصات الأدبية، فإن الالتزام اليومي بالتعلم والتطوير هو ما يصنع الفرق. يؤكد أن القراءة المستمرة، والتفاعل مع الأحداث، والحفاظ على الحس الإنساني، كلها عوامل أساسية للنمو المهني والشخصي.
نصيحة للشباب الطموحين
لكل من يسعى لشق طريقه في أي مجال، رسالة عبد الرحمن واضحة:
“لا تدع الإحباط يوقفك، حتى وإن بدت خطواتك صغيرة. كل جهد تبذله يترك أثرًا، ولو بنسبة ضئيلة. استمر، تعلم، طوّر نفسك، وثق بأنك قادر على إحداث فرق. والأهم: اجعل نيتك صادقة، وتوكل على الله، فالمثابرة والشغف هما مفتاح النجاح.”
لو عاد الزمن إلى الوراء…
لو كان بإمكانه إرسال رسالة إلى نفسه قبل 10 سنوات، لقال:
“لا تنشغل كثيرًا بآراء الآخرين، ركز على شغفك، وثق بنفسك. فالعالم لن يتغير، لكن أنت تملك القدرة على تشكيل مستقبلك بنفسك.”
ختامًا…
عبد الرحمن الشيخ مكتبي ليس مجرد شاعر أو مترجم، بل هو رائد في مجاله، يسعى إلى تعزيز الهوية الثقافية العربية وإيصال صوت القضايا الإنسانية عبر الكلمة. قصته تلهمنا بأن المسارات المهنية لا تُحدد بالشهادات، بل بالشغف والمثابرة والإصرار على تحقيق الأثر الحقيقي.