الاستخدام العقلاني للأدوية: ركيزة لصحة ومستقبل سوريا الجديدة

إن الاستخدام العقلاني والآمن للأدوية يشكل جانبًا بالغ الأهمية في أنظمة الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم. فهو يضمن استخدام الأدوية بما يتناسب مع الاحتياجات السريرية للمريض، بالجرعات الصحيحة، لفترة زمنية كافية، وبتكلفة معقولة. وفي سياق إعادة إعمار سوريا وتنميتها، يمكن لقطاع الأدوية المدروس والمنظم جيدًا أن يساعد في منع مقاومة الأمراض للأدوية، وتحسين نتائج الرعاية الصحية، ودعم التعافي الاقتصادي. 

تناقش هذه المقالة مبادئ الاستخدام الرشيد للأدوية، والتحديات التي تواجهها سوريا، والاستراتيجيات اللازمة لتعزيز ممارسات العلاج الآمن.

ما هو الاستخدام العقلاني للأدوية؟

بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الاستخدام العقلاني للأدوية يعني “حصول المرضى على الأدوية المناسبة لاحتياجاتهم السريرية، بجرعات تلبي متطلباتهم، لفترة زمنية مناسبة، وبأقل تكلفة لهم ولمجتمعهم”. ويؤدي الاستخدام غير الرشيد للأدوية -مثل الإفراط في وصف الأدوية، والعلاج الذاتي بدون الاستشارة الطبية، وإساءة استخدام المضادات الحيوية- إلى أخطار صحية شديدة، بما في ذلك مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية وزيادة تكاليف الرعاية الصحية.

أهمية الاستخدام العقلاني للأدوية في سوريا

تحسين الصحة العامة: الحد من الاستخدام غير العقلاني للأدوية وضمان العلاج الفعال للأمراض من شأنه أن يخفض معدلات الإصابة بالأمراض والوفيات.

مكافحة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية: إن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية وإساءة استخدامها يساهمان في مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية وبالتالي ظهور ميكروبات قوية مستعصية العلاج، مما يجعل علاج العدوى أكثر صعوبة ممكن أن يتطلب إما جرعات أكبر من العلاج وبالتالي آثار جانبية أكثر أو ظهور الحاجة للبحث عن دواء جديد لهذه الأمراض، علما بأن عملية البحث قد تتطلب سنين من البحث والتطوير لضمان نتائج مرضية.

تحسين جودة الرعاية الصحية: يقلل الاستخدام العقلاني للأدوية من خطر فشل العلاج وردود الفعل السلبية والآثار الجانبية للأدوية، مما يؤدي إلى نتائج أفضل للمرضى من خلال استخدام الدواء الصحيح والمناسب للوضع الصحي للمريض.

استعادة الثقة في الرعاية الصحية: تنظيم الأدوية ومراقبتها يعزز ثقة المجتمع بالنظام الصحي ويشجع المرضى على الالتزام بالتعليمات والنصائح المعطاة. 

تحقيق الكفاءة الاقتصادية: يحد الاستخدام العقلاني للأدوية من الإنفاق غير المبرر على العلاجات غير الفعالة أو غير المناسبة؛ مما يضمن الاستفادة المثلى من الموارد المتاحة بأقل التكاليف.

تجنب نقص أو نفاد الأدوية: يساهم الاستخدام العقلاني لوصف الأدوية وصرفها في تعزيز إدارة سلاسل الإمداد الدوائي في سوريا والحد من النقص الحاد في الأدوية.

التثقيف بالصحة العامة والسلامة: من خلال توعية المجتمع والعاملين في القطاع الصحي بأهمية الاستخدام العقلاني للأدوية؛ يمكن تحسين مستوى الثقافة الصحية، وتقليل استخدام الأدوية من دون استشارة طبية والممارسات الدوائية غير الآمنة.

تحقيق التكامل العالمي: إنشاء نظام صحي بقواعد صحيحة ومعايير عالمية وتوافق سياسات الأدوية مع المعايير الدولية سيسهم في تفعيل دور سوريا في النظام الصحي العالمي.

التحديات التي تواجه قطاع الأدوية في سوريا

لقد أضر الصراع الطويل والظلم الذي سببه النظام البائد في سوريا بالنظام الصحي بشكل كبير، مما أدى لتحديات من أبرزها:

الوصول المحدود إلى الأدوية الأساسية: بسبب العقوبات المفروضة على سوريا، واضطراب سلاسل الإمداد الدوائي، وعدم الاستقرار الاقتصادي، فإن الأدوية الأساسية غالبا ما تكون غير متوفرة أو باهظة الثمن إن وجدت.

ضعف الإنتاج المحلي الدوائي: تعمد النظام البائد تهميش الصناعات الدوائية المحلية وقام باستخدام مصانع ومعامل الأدوية لتصنيع وتصدير مواد غير شرعية تخدم مصالحه الشخصية، مما أدى إلى ضعف وعجز في الإنتاج الدوائي المحلي في سوريا.

انتشار الأدوية المقلدة: أدى ضعف الرقابة الدوائية إلى زيادة الأدوية رديئة الصنع والمزورة، مما شكل أخطاراً صحية على المجتمع.

الإفراط في استخدام المضادات الحيوية وإساءة استخدامها: مقاومة المضادات الحيوية مشكلة متنامية، تفاقمت بسبب قلة الاهتمام ونقص الوعي العام وعادات وصف الأدوية غير المناسبة.

تهجير وتهميش الكفاءات الطبية: سوء الأوضاع في سوريا في زمن النظام البائد أدى إلى هجرة الكفاءات خارج البلاد بالإضافة إلى تهميش الكفاءات التي لا تخدم مصالحه داخل البلاد. 

البنية التحتية الصحية غير الكافية: إن نقص المتخصصين الطبيين المدربين والمرافق الصحية غير المجهزة بشكل جيد زاد من تعقيد عملية توزيع الأدوية واستخدامها بفعاليّة. 

إستراتيجيات يمكن أن تساعد في تعزيز الاستخدام العقلاني للأدوية في سوريا

تعزيز السياسات الصيدلانية: ينبغي على الحكومة تنفيذ سياسات تنظم توزيع الأدوية وتسعيرها وممارسات وصفها.

تدريب المتخصصين في الرعاية الصحية: توفير التعليم المستمر للأطباء والصيادلة والممرضات لتحسين ممارسات وصف الأدوية وصرفها.

حملات التوعية العامة: رفع مستوى الوعي بين المواطنين حول أخطار العلاج الذاتي وأهمية اتباع إرشادات الوصفات الطبية.

تشجيع الصناعة الدوائية المحلية: تشجيع الإنتاج المحلي للأدوية الأساسية لتقليل الاعتماد على الواردات ومنع النقص الدوائي.

إنشاء أنظمة للمراقبة والتتبع: تطوير أنظمة مؤلفة من صيادلة أكفاء ومؤهلين لمتابعة استخدام الأدوية واكتشاف أي مخالفات في وصف الأدوية وصرفها.

تعزيز أنظمة مراقبة السلامة الدوائية: إنشاء أنظمة تقارير فعّالة للكشف عن التفاعلات الدوائية السلبية والآثار الجانبية الخطرة ومنع تداول الأدوية المقلدة والمزورة. ويكون ذلك من خلال مراجعة الأدوية والملف الصحي للمرضى، ومراقبة فترة العلاج، وإنشاء استبانات حول الأدوية المستخدمة، وأخذ أي ملاحظة قادمة من المريض بعين الاعتبار سواء كانت سلبية أم إيجابية تجاه هذه الأدوية.

التعاون مع المنظمات الصحية الدولية: الشراكة مع منظمة الصحة العالمية والمنظمات الدولية غير الحكومية وغيرها من الهيئات الدولية للوصول إلى الموارد والخبرة والتمويل لتحسين الإدارة الدوائية.

من أجل مستقبل سوريا، يُعدُّ تأسيس ثقافة الاستخدام العقلاني للأدوية خطوة أساسية نحو إعادة بناء النظام الصحي وتحسين الصحة العامة. من خلال تنفيذ السياسات اللازمة، وتوعية مقدمي الرعاية الصحية والمجتمع، والتعاون مع المنظمات الدولية، يمكن لسوريا الحد من إساءة استخدام الأدوية وتعزيز رفاهية مواطنيها. 

إن الاستثمار في الاستخدام الرشيد للأدوية اليوم سيفتح الطريق لسوريا أكثر صحة وتقدماً في المستقبل.

المصادر

[1]. World Health Organization (WHO): Guidelines on rational drug use and antimicrobial resistance (www.who.int

[2]. The Syrian American Medical Society (SAMS): Reports on healthcare challenges in Syria (www.sams-usa.net)  

[3]. Médecins Sans Frontières (MSF): Initiatives on essential medicine access in crisis areas (www.msf.org

[4]. The Global Antibiotic Resistance Partnership (GARP): Assists in developing policies to combat antibiotic misuse.

[5]. Uppsala Monitoring Centre (UMC): Global pharmacovigilance database (www.who-umc.org)

الاستخدام العقلاني للأدوية: ركيزة لصحة ومستقبل سوريا الجديدة

إعداد: الصيدلانية دانية صوفي

مبادرة عقول سوريا – القسم البحثي والكتابي

شارك المقالة!
Scroll to Top