تتميز سوريا بتنوعها المناخي الفريد، الذي يمتد من المناخ الرطب في المناطق الغربية والشمالية الغربية إلى المناخ الجاف في البادية الجنوبية الشرقية. انعكس هذا التنوع المناخي على الغطاء النباتي، حيث كانت سوريا تُعرف بغاباتها الغنية وتنوعها النباتي المتميز، بما في ذلك مئات الأنواع المتوطنة التي لا توجد إلا في هذا الجزء من العالم. ومع ذلك، منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم، شهدت البلاد تدهوراً كبيراً في الغطاء النباتي، حيث كانت الغابات تغطي أكثر من ربع مساحة البلاد، بينما لا تتجاوز اليوم 2.3% من مساحتها، نصفها فقط غابات طبيعية. ساهمت عدة عوامل في هذا التراجع منذ خمسينيات القرن الماضي، بدءاً من التوسع العمراني غير المنظم، وانتهاءً بالإهمال الحكومي والتغيرات المناخية التي أدت إلى التصحر وانجراف التربة. كما كان للزيادة السكانية الكبيرة دور كبير في الضغط على الموارد الطبيعية واستنزاف الأراضي الزراعية والمناطق الحراجية.
الغابات في ظل الثورة السورية: تدهور كارثي
بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011، تعرضت الغابات السورية لضربات قاسية نتيجة للحرب والعوامل المصاحبة لها. مثلاً، صرّح مدير التخطيط في وزارة الزراعة، هيثم حيدر، في عام 2017 أن سوريا فقدت أكثر من 27 مليون شجرة منذ 2011، بما في ذلك 3.3 مليون شجرة في الغوطة وحدها، إضافة إلى نصف مليون شجرة أخرى قُطعت في الزبداني أثناء الحصار. كما أشارت التقارير إلى تراجع الغطاء الحراجي بنسبة 20%، وتعرض ثلث الغابات الطبيعية لأضرار كبيرة، في حين انخفضت مساحات الغابات بنسبة 60% في المناطق الشمالية من البلاد. كما فاقمت الأضرار عوامل مثل قطع الأشجار لاستخدامها في التدفئة والطهي، والحرائق الناتجة عن القصف أو الاستخدام غير المسؤول للأراضي.
التحديات وجهود إعادة التأهيل
تواجه سوريا اليوم تحديات كبيرة في جهود إعادة التشجير واستعادة الغابات. من أبرز هذه التحديات:
- التمويل المحدود: ضعف الموارد المالية اللازمة لدعم مشاريع التشجير، فبعد تعليق العقوبات على سوريا تتجه الأنظار باتجاه إعادة الإعمار (وهذا مفهوم السبب) متجاهلة قطاعات أخرى متضررة ومنها الغطاء النباتي.
- التغير المناخي: زيادة معدلات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة يجعل المهمة أصعب وأكثر إلحاحاً، فالأضرار تتعاظم يوماً بعد يوم.
- الحالة الاقتصادية: كثير من حالات قطع الأشجار التي حصلت في سوريا كانت بسبب الافتقار لوسائل التدفئة، أو بهدف بيع أخشاب الأشجار، وفي غياب الرقابة القانونية، فإن الأشجار تبدو مصدراً جيداً للربح بأعين الكثيرين.
توجيهات الأمم المتحدة لإعادة الغطاء النباتي
توصي الأمم المتحدة والمنظمات البيئية باتخاذ خطوات عديدة لإعادة تأهيل الغابات والغطاء النباتي في سوريا، مع التركيز على مواجهة التحديات الناتجة عن سنوات الحرب والعقوبات.
أولى هذه الخطوات هي تشجيع مبادرات التشجير المحلي، التي تلعب دوراً مهماً في إشراك المجتمع المحلي وتعزيز وعيه البيئي. مع مراعاة زراعة الأصناف المحلية التي تتلاءم مع طبيعة المناخ والتربة السورية، لضمان استدامة النباتات ودورها في دعم النظام البيئي وعدم اختلاله. كما ينبغي إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الحرائق أو القطع الجائر من خلال دعم مشاريع تشجير واسعة النطاق، وتوفير الموارد الضرورية لإعادة الغابات إلى حالتها الطبيعية. ورغم أن القانون السوري يجرّم قطع الأشجار المثمرة دون رخصة، إلا أن الفساد الذي كان منتشراً في زمن النظام السابق أدى إلى تجاهل هذه القوانين وتفاقم مشكلة إزالة الغطاء النباتي.
بإصلاح القوانين والرقابة على قطع الأشجار ومتابعة الأماكن المتضررة، يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تقدم أداة مساعدة مهمة، من خلال مراقبة الغابات بالأقمار الصناعية واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد المناطق الأكثر حاجة للتدخل. هذه الأدوات تتيح تخطيطاً أفضل وتسهم في تحسين كفاءة العمل على إعادة التشجير. أما على المستوى الدولي، فإن التعاون مع المنظمات البيئية الدولية مثل منظمة الفاو والمنظمات الأممية أساسي. أيضاً، استمرار عقوبات “قيصر”، حتى بعد سقوط النظام السوري، يشكل عائقاً كبيراً أمام الاستثمارات البيئية ويعرقل مشاريع إعادة التأهيل. لذلك، دعم المجتمع الدولي أمر حيوي للتغلب على هذه التحديات.
أخيراً، لا يمكن تجاهل أهمية التوعية المجتمعية ودورها في تعزيز ثقافة الحفاظ على البيئة. رفع وعي الناس بقيمة الأشجار والغابات يجعلهم شركاء في الحماية بدلاً من أن يكونوا مصدر تهديد لها. هذه الجهود، مع التركيز على أصناف النباتات المحلية وتعاون الجميع، يمكن أن تكون المفتاح لاستعادة الغابات السورية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
إن مستقبل الغابات في سوريا يعتمد على مدى قدرتها على مواجهة هذه التحديات من خلال تضافر الجهود المحلية والدولية. فالغابات ليست مجرد مساحات خضراء؛ بل هي مصدر أساسي لدعم التنوع البيئي، وتأمين التوازن المناخي، وحماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة؛ وخصوصاً مع مخاطر التغير المناخي والاحتباس الحراري المتزايدة، والتي باتت واضحة خلال السنوات الأخيرة. إن إعادة تأهيل الغابات السورية ليست خياراً، بل ضرورة ملحة تقتضي التخطيط المستدام والعمل الجاد.
إعداد: محمد يزن قاديش
قسم البحث والكتابة – مبادرة عقول سوريا
المصادر:
https://www.florasyria.com/ar/climate.php
https://paxforpeace.nl/wp-content/uploads/sites/2/import/2023-03/PAX_axed_and_burned.pdf